سيد قطب

1839

في ظلال القرآن

الجزء الرابع ( 11 ) سورة هود مكية وآياتها ثلاث وعشرون ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه السورة مكية بجملتها . خلافا لما ورد في المصحف الأميري من أن الآيات ( 12 ، 17 ، 114 ) فيها مدنية . ذلك أن مراجعة هذه الآيات في سياق السورة تلهم أنها تجيء في موضعها من السياق ، بحيث لا يكاد يتصور خلو السياق منها بادئ ذي بدء . فضلا على أن موضوعاتها التي تقررها هي من صميم الموضوعات المكية المتعلقة بالعقيدة ، وموقف مشركي قريش منها ، وآثار هذا الموقف في نفس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المسلمة معه ، والعلاج القرآني الرباني لهذه الآثار . . فالآية 12 مثلا هذا نصها : « فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ! إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » . وواضح أن هذا التحدي وهذا العناد من قريش إلى الحد الذي يضيق به صدر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بحيث يحتاج إلى التسرية عنه ، والتثبيت على ما يوحى إليه ؛ إنما كان في مكة ؛ وبالذات في الفترة التي تلت وفاة أبي طالب وخديجة ، وحادث الإسراء ، وجرأة المشركين على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتوقف حركة الدعوة تقريبا ؛ وهي من أقسى الفترات التي مرت بها الدعوة في مكة . . والآية 17 هذا نصها : « أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ؟ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ » . . وواضح كذلك أنها من نوع القرآن المكي واتجاهه في مواجهة مشركي قريش بشهادة القرآن للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - بأنه إنما يوحى إليه من ربه ؛ وبشهادة الكتب السابقة وبخاصة كتاب موسى ؛ وبتصديق بعض أهل الكتاب به - وهذا ما كان في مكة من أفراد من أهل الكتاب - واتخاذ هذا قاعدة للتنديد بموقف المشركين . وتهديد الأحزاب منهم بالنار . مع تثبيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على الحق الذي هو معه ، في وجه توقف الدعوة ، وعناد الأكثرية الغالبة في مكة وما حولها من القبائل . . وليس ذكر كتاب موسى بشبهة على مدنية الآية . فهي ليست خطابا لبني إسرائيل ولا تحديا لهم - كما هو العهد في القرآن المدني - ولكنها استشهاد بموقف تصديق من بعضهم ؛ وبتصديق كتاب موسى - عليه السلام - لما جاء به محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وهذا أشبه بالموقف في مكة في هذه الفترة الحرجة ، ومقتضياتها الواضحة .